ابن كثير
485
السيرة النبوية
وقد كان يقال لجعفر بعد قتله الطيار ، لما ذكرنا ، وكان كريما جوادا ممدحا ، وكان لكرمه يقال له : أبا المساكين ، لاحسانه إليهم . قال الإمام أحمد : وحدثنا عفان بن وهيب ، حدثنا خالد ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، قال : ما احتذى النعال ولا انتعل ، ولا ركب المطايا ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب . وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة ، وكأنه إنما يفضله في الكرم ، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه ، وأما أخوه على رضي الله عنهما فالظاهر أنهما متكافئان أو على أفضل منه . وإنما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم ، بدليل ما رواه البخاري : حدثنا أحمد بن أبي بكر ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهني ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، أن الناس كانوا يقولون : أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني خبزا لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ولا يخدمني فلان وفلانة ، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع ، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني ، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته ، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شئ فنشقها فنلعق ما فيها . تفرد به البخاري . وقال حسان بن ثابت يرثي جعفرا : ولقد بكيت وعز مهلك جعفر * حب النبي على البرية كلها ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي * من للجلاد لدى العقاب وظلها بالبيض حين تسل من أغمادها * ضربا وانهال الرماح وعلها